ابن الحسن النباهي الأندلسي

113

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ « 1 » . ولست به ولا كرامة ! وقد ذكر اللّه تعالى أنّ النفوس تجادل عنده يوم القيامة في الموقف الذي لا تعدله مقامات الدنيا في الجلالة والهيبة . قال اللّه تعالى : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 2 » لقد تعدّيت ، يا قاضي ، طورك ! وعلوت في منزلتك ! وإنما البيان ، بعبارة اللسان ، وبالمنطق ، يستبين الباطل من الحقّ ؛ وإنما البوس ، مع النحوس ، ولا بدّ في الخصام ، من إفساح كلام » قال : فبهت القاضي بقوله ، وأغضى على تقريعه ، وجعل يقول : « الرفق أولى من الخرق » وانصرف أنس ، والناس يعجبون من صبره له . قال : وكان من أرفع خلال القاضي ابن ذكوان ، صحة رأيه ، وإمحاضه النصيحة لمن شاوره . ولّاه القضاء المنصور بن أبي عامر ؛ وكان من جلّة أصحابه وخواصّه ؛ ومحلّه منه فوق محلّ الوزراء ، يفاوضه في تدبير الملك وسائر شأنه . قال عياض في « مداركه » : لم يتخلّف عنه في غزوة من غزواته ، ولا فارقه في ظعن ولا إقامة ؛ وكذلك كان حاله مع ولديه المظفّر والمأمون بعده ؛ قد تيمّنوا برأيه ، وعرفوا النجاح في مشورته . وكان له بداخل القصر بيت خاصّ به ، يأتيه آخر النهار ؛ فيجلس فيه إلى أن يخرج إليه ابن أبي عامر ؛ فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه . وربما بات عنده بالنزاهة وخفّة الوطأة ، حتى قيل إنه ما سأله ، على مكانته منه حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح ، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس ؛ بل كان يعرض ما يحتاج إليه عرضا بالمنكر والمستحسن ، فيستطرد للبحث عنها . ولم يزل على هذا إلى أن توفّي المنصور ، وولي ابنه المظفّر « 3 » ؛ فزاد أثره ، إلى أن فسد ما بين القاضي

--> ( 1 ) سورة الحجرات 49 ، الآية : 2 . ( 2 ) سورة النحل 16 ، الآية : 111 . ( 3 ) هو عبد الملك بن المنصور محمد بن أبي عامر ؛ تقلّد الوزارة والحجابة للخليفة هشام المؤيّد بقرطبة بعد -